السيد عبد الأعلى السبزواري

80

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ . سجيّة أخرى لتلك الطائفة الّتي اتّصفت بالنفاق ، ويمكن أن تكون الآية المباركة في مقام بيان طائفة أخرى من طوائف المجتمع الإسلامي ، الّتي تكون ضعيفة في التنظيم تقبل كلّ أمر يرد عليها ، سهلة الانقياد للإشاعة ، تبثّ كلّ ما تسمعه دون تحفّظ وتدبّر ، فلا انتظام لها في شؤونها ، فكانت تذيع كلّ ما يرتبط بالأمن أو الخوف ونحوهما ، ممّا يرتبط بشؤون الأمّة والمجتمع المسلم . وإنّما اقتصر على الأمن أو الخوف لأهمّيّتهما ، فيشيعون بالأخبار الكاذبة ما يوجب تزلزل الأمن في موضع الاستعداد والأهبة ، فتزول عنهم هذه الحالة ، أو يشيعون ما يوجب الخوف فيستعدون لمنازلة العدو وهم في غنى عنه ، فكم من إشاعة تلحق الضرر بالأمة . والآية الكريمة في مقام التعيير والذمّ لهذه الطائفة في فعلتهم هذه ، وإن كانت حسنة النيّة فيما تفعل ولم تقصد إلى هذه النتيجة السيئة الّتي تترتّب على الإشاعة ، وهي الاضطراب والخلخلة في الصفوف . ويستفاد من الآية الكريمة أنّ ما أشيع به لا حقيقة له ، بل هو من الأراجيف الّتي كان يبثّها أعداء الإسلام في صفوف الأمة المتراصّة ؛ لا يجاد الوهن في عزائمها ، ولعلّ هذه الحالة كانت موجودة في أكثر من واقعة ، فتنطبق على واقعة بدر الصغرى الّتي تقدّم الكلام فيها في سورة آل عمران ، كما ذكرها المفسّرون . قوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ . الضمير في ( ردّوه ) راجع إلى الأمر الشائع من الأمن أو الخوف ، وردّ الشيء ارجاعه وإعادته ، ويتضمّن معنى التفويض أيضا . وأما أولو الأمر ، فقد اختلفوا فيهم كاختلافهم في المراد بهم في قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ سورة النساء ، الآية : 59 ] ، فقيل : هم أهل الرأي والمعرفة بالأمور العامّة والقدرة على الفصل فيها ، وقيل : هم